الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

141

نفحات القرآن

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ ما ذكرناه في شروحنا للاقسام الثلاثة كان صحيحاً وإن لم يتفق شيئاً ما مع الاستعمالات العصرية لمفردتي « العلم » و « الفلسفة » وأنّ المراد كان ايصال المفهوم إلى أذهان القراء فقط . فضلًا عما ذُكر سابقاً نضيف هنا القول بامكانية ادغام القسم الثاني والثالث في قسم واحد ، ذلك لأنّ القوانين الكلية التي رسمت التاريخ وتُستخرج وتُستنبط من التاريخ النقلي ، تارة تكون ناظرة إلى الوضع الراهن للمجتمعات ، وتارة أخرى تكون ناظرة إلى تحول وتكامل المجتمعات . والمهم هنا هو أنّ القرآن المجيد لم يقتنع بالسرد المجرد لحوادث التاريخ بل أشار أيضاً إلى السنن والقوانين الكلية التي حكمت المجتمعات ، القوانين التي يمكنها أن تزيل القناع عمّا كان ويكون ، أو عن أي تغير وتحول تاريخي كأيّ تقدمٍ أو سقوطٍ أو فشلٍ حصل للمجتمعات . يشير القرآن - مثلًا - إلى هذه السنة : « ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ » . ( الأنفال / 53 ) وينبغي الالتفات إلى أنّ القرآن ذكر هذه السنة بعد ما أشار إلى قصة قوم فرعون وعذابهم بسبب ذنوبهم . ويقول في آيات اخر ( بعد اشارته إلى تاريخ الأقوام القويّة التي أُهلكت بسبب تكذيبهم الرسل وشركهم وذنوبهم وظلمهم ) : « فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ ايمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ في عِبَادِهِ » . ( المؤمن / 85 ) نعم تنبغي الوقاية قبل العلاج ، وهذا قانون كلي ، لأنّ الإنسان لو ابتلي بجزاء أعماله فلا فرصة حينئذٍ لجبران الماضي . الإجابة على إشكال : قد يُقال إنّ قبول وجود قانون كلي في تاريخ الإنسان يجسد مفهوم الجبر في تاريخ